فاضل الدباغ ...البحث في ثنائيات الضد
صلاح عباس
فاضل الدباغ , واسئلة عن الهم , الذي تحرر من بين انامله المرهفة ,
فعلى مدى اكثر من عقد عرفته واطلعت على اكثر تجاربه , ومنذ ذلك
الحين بقيت لوحاته عالقة في ذاكرتي , تستفز بي مشاعر الحب المتعالي
حيث الوجوه والاجساد الانثوية المكتنزة بالشبق تستنهض فيه الحنين
لسنوات فتوته . والان فان السنوات تمضي بدون رغبة منا , سنوات مثل
الخيول المسنة , تركض على وفق ايقاع متراتب , ولكنها في خوض وسير
للامام دائما .
لقد رسم الفنان تنويعاته الفنية , وخاض غمار التجارب الكثيرة ,
وتطلع الى معرفة اسرار الالوان والمواد الاخرى (غير مواد الرسم)
لكي يلقي القبض على مكنوناته وشوارده المتخاطفة في تذكره مثل صور
حلمية تتدافع بالعشرات في اللحظة الواحدة .
ان اهم شيء لدى الفنان , صدقه مع ذاته , فلا داعي للخوض في
الموضوعات التي لا يمكن ادراكها , فالموضوعات الخصبة تلك التي عاش
ايقاعها , وتفاعل مع احداثها اذا كان ثمة احداث , او لحظة التجلي
الروحاني , اذا كان هناك نوع من الحاجة الوجدانية لتثبيت ذلك ,
فالفن بالنسبة اليه يمثل غرقا في الموضوعات القريبة , وهو يشبه تلك
اللحظة المتماهية التي يعرفها المتصوفون .
لقد وجدته في مرسمه يعيش , يتلذذ بوحدته ,
ويتشوق بحاضر حياته فلا فراغ فيها , وكل الاشياء التي حوله ينطق
ببلاغتها وصدقها , وعلى الرغم من طابع الوحدة والغربة الا اننا
نراه قاب قوسين او ادنى من الاحداث والمفارقات والمواقف الملتهبة .
ان هاجس الفنان يلهمه الابداع الذي لا تحده الحدود , ومما لا شك
فيه ان الانتباه سيكرس الى نقطة مضيئة وهي تناول الفنان للقضية
الازلية في الوجود , وهي : التنبه للقيم المتضادة , ولكن النظرة
اليها في الفن مختلفة ومتباينة , فكيف يكون ذلك ؟
ان ادخال العناصر المتقاطعة : مثل النظرة الحداثية للفنون في مقابل
الرؤية للماضي السحيق , بين الفوضى التي لا تتأسس على منهج بل اخذة
تلقائيتها وعبثها وبين النظام او النظرة الهندسية لاشياء الحياة
الحسية , وبين الوعي الذي بمقدوره ادراك وتحليل الظواهر التي
تصادفنا في الحياة الاعتيادية وبين اللاوعي , الذي يستنهض في
التخييل حوافزه والانطلاق الى الفضاءات الفسيحة التي لايمكن فهمها
او ادراكها الى العودة القهقري لمتعلقات دقيقة رسخت قوتها في تذكره
.
رسم الفنان اشجارا منظورا اليها من تحت مستوى النظر , وبذلك استبدل
كيانه بروح طائر يرى كل العالم من تحت . كما رسم الفنان مدنا حلمية
فاضلة , وكانه بذلك ينوي التأكيد على اشيائه المتمناة , اوانه يرغب
في صناعة احلام رائعة تشمل حياة الناس بعيدا عن العنت والظلم
والاسى هكذا هي رسالة الفنان على الدوام , احلام وردية ترسم
للانسان مستقبلا زاهرا .
ان الحرية وفهم الموقف والصدق مع الذات , كل ذلك عناصر مهيمنة
لتأكيد الحضور الابداعي لقد صنع الفنان لنفسه مملكة شاسعة الاطراف
, ان اهم سمة في فن فاضل الدباغ , هي انتخاب افضل المقتربات
المفضية الى العالم الداخلي في الفكرة التي يتناولها , فتبدو
اللوحات وكانها آتية الينا من عوالم اخرى فأذا كانت الحياة اليومية
مخربة ومدمرة وتنازعها اقطاب الاسى , والالم المر , فان المنطقة
الفنية التي يشتغل عليها , هذا الفنان ستكون على الطرف النقيض من
ذلك , سنرى ان الفنان يرسم ازهارا واشراقة الالوان , واحلاما
طفولية مهذبة , وراقية في قيمها المضمونية , وكما اشرنا في مكان
اخر من هذا المقال : بان الفنان يحاول صناعة مدنه الملونة
المتباينة مع صور الواقع المأساوي . انه الحلم ليس الا , بل انه
التطلع الى الغد بعين التفاؤل , ولو ان احدا تطلع على منجزات هذا
الفنان فانه سينبهر وستنفتح قريحته على معاينة الافكار العميقة
وسيقول في سره : انه الفن الجميل حقا .